Uncategorizedقراءات

سمية أمين: قراءة في كتاب: محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان(3-5)

سودان ستار

 

المؤلف: دكتور عبد الله الفكي البشير- عدد فصول الكتاب: سبعة فصول- عدد الصفحات: (664)، الناشر ط1: دار باركود للنشر والتوزيع، الخرطوم، 2021، ويجري العمل حالياً لنشر ط2، عن دار الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر والتوزيع، جوبا، 2024


المحـــاور

عن مؤلف الكتاب

مدخل

الحوار حول أطروحة المركز والهامش

مفهوم التهميش عند الأستاذ محمود محمد طه

التوجه العربي للسودان وتعميق التهميش وتعزيز الإقصاء

الأمة الأفريقية والدعوة لانسحاب السودان من جامعة الدول العربية

الحزب الجمهوري والعلاقات بين السودان ومصر

جنوب السودان والتاريخ الطويل من التهميش

محمود محمد طه هو السجين الأول والوحيد من أجل جنوب السودان

التنقيب عما بعد التاريخ المعلن: ملاحظات حول كتاب الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان

قضايا التعدد الثقافي ونظام الحكم والمعرفة الاستعمارية واستمرار التهميش

الموقف من مؤتمر البجة/ البجا، أكتوبر 1958

تجليات ضعف الانفتاح على الأرشيف القومي عند المثقفين: الدكتور مجدي الجزولي نموذجاً

الدستور وقضايا التهميش

المرأة أكبر من هُمش في الأرض


التنقيب عما بعد التاريخ المعلن: ملاحظات حول كتاب الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان بعنوان: انفصال جنوب السودان: دور ومسؤولية القوى السياسية الشمالية، 2015


الدكتور منصور خالد: إن ما طرحه الأستاذ محمود في كتابه: أسس دستور السودان، الذي نُشر عام 1955، قامت على جوهره اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ولم تخرج اتفاقية السلام الشامل (2005) من روحه، وقد جاءت بعد نصف قرن من الزمان”.

قدم الدكتور عبدالله ضمن هذا الفصل، نقداً لنموذج من كتابات المثقفين السودانيين، وجاءت تحت محور بعنوان: “التنقيب عن ما بعد التاريخ المعلن: ملاحظات حول كتاب سلمان محمد أحمد سلمان بعنوان: انفصال جنوب السودان: دور ومسؤولية القوى السياسية الشمالية، 2015”. أوضح عبدالله في نقده للدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، قائلاً:

“تعرَّض سلمان محمد أحمد سلمان بإيجاز شديد، لكتاب: أسس دستور السودان، لطرح محمود محمد طه عن الفدرالية، فقد كتب، سلمان في كتابه: انفصال جنوب السودان: دور ومسؤولية القوى الشمالية، قائلاً: “إن طرح محمود محمد طه متقدم ومنطقي ومناسب لإدارة بلد شاسع ويتصف بالتعددية العريقة والدينية واللغوية والثقافية”، ثم أردف سلمان، قائلاً: “غير أن هذا الطرح، مثله مثل مطالب أبناء الجنوب، لم يلق أي اهتمام من الساسة الشماليين”.. وهنا، سؤال يدفع بنفسه، هل عدم اهتمام الساسة الشماليين، الذي تبدى للبعض، كما هو الحال عند سلمان، جعل الطرح غائباً عن الساحة السودانية؟ أم أن الطرح كان حاضراً، برغم عدم الاعتراف، والاهتمام غير المعلن به؟”.

 

ثم أجاب عبد الله عن التساؤلات التي طرحها أعلاه، قائلاً: “إن طرح محمود محمد طه عن الفدرالية في واقع الأمر كان حاضراً في الساحة السياسية، خاصة عند لحظات التسويات الوطنية والسياسية والجنوح للسلام بتوقيع اتفاقيات السلام، إذ لم تخرج اتفاقيات السلام السودانية التي تم توقيعها منذ عام 1972 وحتى عام 2005 عن طرح محمود محمد طه الذي قدمه في كتابه. كتب منصور خالد، قائلاً: “ففي السياسة الحكمية كتب محمود في عام 1955 عن الفيدرالية كأصلح المناهج لنظام الحكم في السودان، في الوقت الذي كان غيرُه يصفُ الفيدراليةَ بأنها ذريعةٌ استعمارية لتفتيت وحدة السودان وكأنا بهؤلاء لم يكونوا يعرفون كيف وحدتْ الفيدراليةُ دولاً مثل (الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، وكندا، والبرازيل، وألمانيا)”. وأضاف منصور خالد، قائلاً: “إن ما طرحه الأستاذ محمود في كتابه: أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فيدرالية ديموقراطية اشتراكية، الذي نُشر عام 1955، واستهجنه الناس آنذاك، قامت على جوهره اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ولم تخرج اتفاقية السلام الشامل [2005] من روحه، وقد جاءت بعد نصف قرن من الزمان.”

ثم أوضح الدكتور عبدالله، قائلاً: إن كتاب أسس دستور السودان، ظل حاضراً وبقوة، فقول سلمان إن الكتاب “لم يلق أي اهتمام من الساسة الشماليين”، يكشف قصور الرؤية السياسية لدى الساسة، ويعكس الرؤية الثاقبة لمحمود محمد طه، ويدل على تشخيصه الناجع والعابر للزمان. فعندما اجتهد الساسة في السودان لوضع حد للصراعات والمواجهات العسكرية، وسعوا لتحقيق التسويات من خلال توقيع الاتفاقيات، كما هو الحال في عام 1972 وفي عام 2005، لم تخرج تلك الاتفاقيات عن ذلك الكتاب، كما شهد بذلك من شاركوا في فيها”.

 

الفصل الخامس: قضايا التعدد الثقافي ونظام الحكم و المعرفة الاستعمارية واستمرار التهميش

 

محمود محمد طه: “كون السودان قطراً شاسعاً وفيه من اختلاف اللهجات والعنصريات والعادات ما فيه إنما هو من دواعي التفاؤل بمستقبل هذا البلد وليس من دواعي اليأس أو التخوف- وهو من دواعي التفاؤل لأن خصائص كل عنصرية من هذه العنصريات إذا نمت وهذبت وتفتقت طاقاتها الأصيلة فستزيد من حيوية الأمة السودانية في مجموعها وتخصّب شخصيتها وتزيد من وزنها وزناً ومن قيمتها قيمة “. (1964).

‎ في هذا الفصل تناول المؤلف طرح الأستاذ محمود محمد طه، وموقفه من قضايا التهميش ومن التعدد الثقافي الذي يزخر به السودان، وموقع اللغات المحلية في طرحه، ورؤيته للتنظيم الديني، وهو صاحب الفهم الجديد للإسلام، في بلد تختلف فيه الأديان، وموقفه من التنوع العرقي والإثني، ورؤيته لنظام الحكم الأنسب للسودان وموقفه من حقوق أهل الأقاليم (من المهمشين) وقد ركز دكتور عبد الله على موقف الأستاذ محمود محمد طه من مؤتمر البجة كأول تنظيم إقليمي نشأ بعد الاستقلال عام 1958، كما تناول في هذا الفصل دور الأستاذ محمود محمد طه في نقد المعرفة الاستعمارية وتفكيكها . كما وقف الفصل عند مفهوم التعدد الثقافي والتعدد الثقافي في السودان .

 

محمود محمد طه: “نقترح أن يقسم السودان إلى خمس ولايات.. وتُمنح كل ولاية حُكماً ذاتياً ” (1955)

أتيم قرنق: “نادي الأستاذ محمود باحترام التنوع الاثني والديني وحسن إدارته قبل أن تنادي بذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان ”

 

أكد دكتور عبدالله، بأن الأستاذ محمود محمد طه التفت للتعدد الثقافي في السودان منذ وقت باكر، فاحتفي به وعدّه، كما ورد أعلاه، من دواعي التفاؤل بمستقبل السودان، بما تحققه هذه التنوعات من زيادة لحيويّة الأمة السودانية. فمنذ أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي، دعا في الكثير من بياناته ومقالاته ومحاضراته وكتبه، إلى احترام التنوع وحمايته وحسن إدارته والمحافظة عليه بالدستور وبإقامة الحكم الفيدرالي القائم على إزالة الفوارق بين أقاليم السودان وربطها بسبل المواصلات حتى يصبح السودان، كما يقول الأستاذ محمود: “كتلة سياسية متحدة الأغراض متحدة المنافع متحدة الإحساس “. ويؤكد المؤلف كذلك على أن دعوة الأستاذ محمود محمد طه لاحترام التنوع وحسن إدارته، سابقة لكل الأطروحات التي جاءت لاحقاً، من الأحزاب السودانية أو من قادة الكفاح المسلح في السودان، وعن ذلك أورد ملاحظة أتيم قرنق، أحد قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، والذي أصبح بعد انفصال جنوب السودان عن شماله أحد قادة جمهورية جنوب السودان والذي قال في ملاحظته:” نادي الأستاذ محمود باحترام التنوع الاثني والديني وحسن إدارته قبل أن تنادي بذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان “.

وعن الموقف من اللغات المحليّة يقول د. عبد الله: “دعا محمود محمد طه ليس لاحترام اللغات المحلية في السودان والاعتراف بها، فحسب، وإنما دعا إلى أن تكون اللغات المحلية لغة التعليم، وهذا ما لم يرد في دستور السودان منذ عام 1965”. وفي إطار دعوته إلى حكم السودان بالنظم اللامركزية، وتقسيمه إلى خمسة ولايات، دعا إلى عدم فرض اللغة العربية لتعليم أبناء أهل الاقاليم والقوميات المختلفة في السودان، وإنما يجب تعليمهم بلغات أمهاتهم، أي أن تكون اللغة المحلية هي أداة التعليم. فأبناء الشلكاوية يجب تعليمهم بلغة الشلك، وأبناء المحسية يتم تعلىمهم بلغت المحس وهكذا . كما دعا إلى أن يكون التشريع للتعليم في كل ولاية على حدة، ويكون دور الحكومة المركزية بشأن التعليم المساعدة بالإرشاد والتنسيق والهبات المالية لأن التعليم يهم الأمة جمعاء. وشدد على أن يكون تعليم الناس وتنميتهم قائماً على ميراث قومهم وتراثهم ولغتهم المحلية في مختلف الأقاليم التي لديها لغات محلية. كما نادى بضرورة الخصوصية بألا يكون هناك تعميم في التعليم لكل الأقاليم والقوميات صاحبة اللغات المحلية، إلا في مرحلة متقدمة وفقاً للقاعدة الإنسانية والثقافة الإنسانية.

كما وضع الأستاذ المعايير لمواءمة فصول الدراسة والهيئة التي تقوم عليها، والأدوات المساعدة التي تدخل في عملية التعليم وتربية النشء وتعليمهم للبيئة المحلية.

 

“التعايش السلمي أدني ما يطلب من الأديان”

 

عن التعايش السلمي واحترام الديانات الذي نادي به الأستاذ محمود وعمل لأجله يقول دكتور عبدالله : “إن احترام التنوع الديني، وإعطاء أهل الديانات حق القيام بشعائرهم ، بمراسيمها ، في احترام وفي حرية، هو الحد الأدنى للسلوك الذي وضعه الإسلام، كما هو عند محمود محمد طه .فمن تعدى الحد الأدنى أُخذ بالقانون، ومن سلك في مستواه، أو أقل منه لم يُسأل قانوناً، عن أمر من أمور الدين، أو أمور الدنيا. واعتبر، كل ماعدا هذا الحد الأدنى، أمراً شخصياً، خاصاً بالفرد، له فيه حق الحرية، وحق الصون”.

إن الإنسان من حيث هو إنسان، كما يرى محمود محمد طه، هو غاية في حد ذاته، وهو الغاية في كل الديانات، وصيانة كرامته وكفالة حريته من الحقوق الأساسية. واحترام التنوع الديني، واحترام العقيدة وحريتها، عنده، هي حق دستوري يقع ضمن الحقوق الأساسية للإنسان حق الحياة، وحق الحرية، وما يتفرع منهما. فدعوة الأستاذ محمود هي دعوة قائمة على تطوير التشريع، فإنه يدعو لبعث قرآن الأصول، ليقوم عليه الدستور الإسلامي الصحيح، الذي هو الدستور الإنساني.

كما يغطي هذ الفصل كذلك موقف الأستاذ محمود من التنوع العرقي/ والاثني، ونظام الحكم، والذي شجع فيه على الحكم الذاتي وكانت دعوته له هي، أول دعوة مبوبة ومفصلة عن الفدرالية كأصلح نظام لحكم السودان، وكان ذلك في ديسمبر 1955.

 

الموقف من مؤتمر البجة/ البجا، أكتوبر 1958

تجليات ضعف الانفتاح على الأرشيف القومي عند المثقفين: الدكتور مجدي الجزولي نموذجاً

عبدالله الفكي البشير: “لا تستقيم دراسة التاريخ والشأن الوطني بالخيال وباطمئنان المثقف إلى سقفه المعرفي”

 

اشتمل هذا الفصل، الفصل الخامس، على نقد قدمه الدكتور عبدالله للدكتور مجدي الجزولي. كان الدكتور مجدي الجزولي، كما ذكر عبدالله، قد نشر دراسة بعنوان: “محمود ومحمود: غريبان في عالمين”، في عدد من الصحف والمواقع على شبكة الإنترنت، كما نشرت مجلة الحداثة السودانية مجتزأ منها، ثم صدرت الدراسة، بعد ذلك، في كتاب عن مركز الفكر الديمقراطي، سلسلة قراءة من أجل التغيير، في يونيو 2016، وحمل نفس عنوان الدراسة. وأضاف عبدالله بأن الدكتور مجدي أورد في دراسته، معلومات وأخبار عن الأستاذ محمود محمد طه، غير صحيحة تماماً، وقد فصل عبدالله عن ذلك في مقدمة كتابه، لكنه أشار إلى أنه سيتناول في هذا المحور، بإيجاز شديد ما يتصل بمؤتمر البجة/ البجا. كان الدكتور مجدي قد كتب، قائلاً:

 

“كمحيطه الحضري عاش الأستاذ محمود في عالم غير عالم مؤتمر البجا ومنظمة سوني ومقاتلي الأنانيا، وانشغل كأغلب معاصريه بقضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وليس الجنوب، فخصص لذلك كتابا عن العرب واليهود والسوفييت والغرب حوى نقدا شرسا لسياسات جمال عبد الناصر وزعامته، المتهم عند الأستاذ محمود بخدمة الشيوعية الماركسية والاتحاد السوفييتي” .

كتب عبدالله، قائلاً: استنتاج مجدي الجزولي أعلاه، “غير صحيح البتة، وفيه جرأة زائدة وخلاصات ظالمة لنفسها ولكاتبها وللقراء وللتاريخ”. وأضاف عبدالله، قائلاً: ففي الوقت الذي يقول فيه مجدي الجزولي في دراسته: “عاش الأستاذ محمود في عالم غير عالم مؤتمر البجا”، نجد أن محمود محمد طه كان من أوائل الذين كتبوا في الصحف السودانية عن مؤتمر البجة، إن لم يكن أولهم. فقد عقد المؤتمر بمدينة بورتسودان، خلال الفترة ما بين 11- 13 أكتوبر 1958، ونشر محمود محمد طه أولى مقالاته في 18 أكتوبر 1958، بصحيفة أنباء السودان، كما سيرد لاحقاً. كان مقال محمود محمد طه عن مؤتمر البجة/ البجا، إلى جانب برقية أرسلها عبدالخالق محجوب (1927-1971) باعتباره سكرتيراً عاماً لحزب الجبهة المعادية للاستعمار (الحزب الشيوعي السوداني لاحقاً)، من أوائل الكتابات في السودان عن مؤتمر البجة/ البجار. لقد اتبع محمود محمد طه ذلك المقال بمقالات وبيانات عديدة عن مؤتمر البجة/ البجا وعن أهل الأقاليم وحقوقهم، الأمر الذي أعجب أعضاء مؤتمر البجة، وحفز بعضهم فأصبحوا أعضاءً في الحزب الجمهوري الذي يرأسه محمود محمد طه، كما سيرد لاحقاً.

وأضاف عبدالله، قائلاً: أما رأى مجدي الجزولي عن موقف محمود محمد طه من الأنانيا، وقوله: “وانشغل كأغلب معاصريه بقضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وليس الجنوب”، فهو أمام ما أوردناه في الفصل الرابع من هذا الكتاب: “جنوب السودان تاريخ طويل من التهميش”، يتضح بأنه قول ساذج وفطير ومناقض للتاريخ ووقائعه، وتدحضه الوثائق والأرشيف الصحفي بدار الوثائق القومية. ويمكن للقراء الاطلاع ما يدحض قول مجدي الجزولي في الفصل الرابع. وغني عن القول إن الأستاذ محمود محمد طه كان أول سجين من أجل جنوب السودان، بل هو السجين الوحيد من أجل جنوب السودان، كما فصل عبدالله في الفصل الرابع. كذلك في تقديري، وكما أشار عبدالله، نجد أن حديث الدكتور منصور خالد بأن ما طرحه الأستاذ محمود في كتابه: أسس دستور السودان، الذي نُشر عام 1955، قامت على جوهره اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ولم تخرج اتفاقية السلام الشامل (2005) من روحه، وقد جاءت بعد نصف قرن من الزمان”. يُعبر عن مدى انشغال الأستاذ محمود بكل القضايا التي ذكرها مجدي، بل لم يكن الأستاذ محمود حاضراً بالتشخيص والتفحص والتحليل، فحسب، وإنما بتقديم “الحلول العابرة للزمان”، كما يسميها الدكتور عبدالله، بل أن ما قدمه الأستاذ محمود منذ عام 1955، حيث بداية تجليات المشاكل والحروب، قامت عليه، كما يقول منصور خالد، جوهره اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ولم تخرج اتفاقية السلام الشامل (2005) من روحه، وقد جاءت بعد نصف قرن من الزمان.

وأوضح عبدالله بأن الأستاذ محمود محمد طه، كان أول من نشر مقالاً، عن الحوادث في جنوب السودان. فقد وقعت الحوادث في يوم 18 أغسطس 1955، فنشر محمود محمد طه أول مقالاته عنها، بصحيفة السودان الجديد في يوم 22 أغسطس 1955، وأتبعها بالعديد من المقالات في صحيفة أنباء السودان، وصحيفة السودان الجديد، وصحيفة الرأى العام، وغيرها. كما وزع أول بياناته عن حوادث الجنوب في صحيفة الاستقلال، في يوم السبت 10 سبتمبر 1955، ولحقتها الكثير من البيانات. وقد فصل عبدالله كل ذلك في الفصل الرابع من كتابه. وبيَّن عبدالله، قائلاً: “إن هذه الوقائع الموثقة في مصادرها بأرشيف السودان القومي، تؤكد أن مجدي الجزولي، ومثله الكثير من المثقفين، يكتبون من خيالهم ووفقاً لتصوراتهم والصور النمطية التي تشربوها أو ورثوها، لا استناداً على المصادر”. ثم أضاف عبدالله، قائلاً: “وهذا لا يليق بواجب المثقف تجاه الثقافة، ولا يليق بدوره في خدمة التنوير وتنمية الوعي. آمل أن يجد مجدي الوقت لعيد النظر في دراسته تلك، وينشرها في طبعة ثانية مصححة ومنقحة”.

وفي التدليل على عدم دقة ما ذهب إليه الدكتور مجدي الجزولي، والدحض لما كتبه مجدي، قائلاً: “كمحيطه الحضري عاش الأستاذ محمود في عالم غير عالم مؤتمر البجا …”. كتب الدكتور عبدالله، وهذه في تقديري من المفارقات، قائلاً: “عندما عُقد مؤتمر البجة بمدينة بورتسودان، كان محمود محمد طه من أوائل الذين كتبوا عنه، إن لم يكن أولهم”. يبدو لي أن إشارة الدكتور عبدالله إلى ضعف انفتاح المثقفين على الأرشيف القومي في دار الوثائق القومية، هي السبب الأساسي في ظلم أنفسهم، وظلم الأجيال، وفي التغييب، الأمر الذي يؤدي إلى ما يسميه الدكتور الله بتزوير التاريخ، خاصة في بيئات التعدد الثقافي، ذات القابلية للتزوير والتضليل. نشر الأستاذ محمود محمد طه، كما ذكر عبدالله، في 18 أكتوبر 1958، بصحيفة أنباء السودان، وكان المؤتمر قد عقد المؤتمر، كما ورد آنفاً، خلال الفترة 11- 13 أكتوبر 1958. ودعا الأستاذ محمود محمد طه في مقاله، كما أوضح عبدالله إلى إعطاء أهل الأقاليم من الحقوق، فوق مما جاء في مطالب مؤتمر البجة/ البجا، لأنه، كما قال، أي الأستاذ محمود محمد طه، “ولست أرى في مطالب مؤتمر البجة ما يعين على حل المشاكل القائمة في منطقتهم”، وإن حل مشاكلهم، كما هو الحال في الجنوب والغرب، تتم بإقامة الحكم الذاتي، ومنح أبناء تلك المناطق الفرصة كاملة لإدارة شؤون مناطقهم. وأضاف عبدالله، قائلاً: أعلن الأستاذ محمود في مقاله، قائلاً: “أنا من الداعين للاتحادات الفدرالية لجميع مناطق السودان لأن الحكم المركزي لن يستطيع أن يطور هذه المناطق بالسرعة اللازمة ولأن اختلاف هذه المناطق يجعل التشريع المركزي الموحد غير صالح لإدارتها”. وأوضح الأستاذ محمود في مقاله بأن الحكم المركزي لن يستطيع أن يطور هذه المناطق بالسرعة اللازمة، خاصة وأن الاختلاف في هذه المناطق يجعل التشريع المركزي الموحد غير صالح لإدارتها. كما نبه بأن الحكم الفدرالي لأي منطقة لا يتأتي بالتمني وإنما بالاستعداد للوفاء بالتزاماته فهو يحتاج الى كفاية إدارية وكفاية فنية وكفاية اقتصادية، ويتطلب وقتاً، ومع ذلك علينا أن نبدأ في الحكم الفدرالي للولايات السودانية، ولا ننتظر توفر احتياجات. وأضاف بإن “الناس لا يمكن أن يتعلموا المسؤولية إلا بمباشرة المسؤولية، ولا يمكن أن يتعلموا الحرية إلا بممارسة الحرية”، ولذلك يجب أن تضع الحكومة الناس مباشرة أمام مشاكلهم، فهم أعرف بالمشاكل والأولويات، ثم تحاول الحكومة أن تعينهم على حلها لا أن تتولاها عنهم. كما أكد ضرورة السير من الآن وبكل وضوح في طريق الحكم الذاتي لجميع ولايات السودان.

نلتقي في الحلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى