ثقافة وأدب

محاسن الجاك – عَودَةٌ مَيمُونةٌ

قصة

لَا يَعرِفُ أحدٌ مَتَى جَاءَ (حَاج إبرَاهِيم) إلى قَريَتِهِم الوَادِعَة فِي أحضَانِ الجِبَالِ ذَات الطَّبِيعَةِ الوَارِفَة والأمطَار الغَزِيرة، مُنذُ عَهدٍ بَعِيدٍ وحَاج إبرَاهِيم يَفلَحُ قِطعَةَ أرضٍ صَغِيرةٍ يَحصدُ مِنَها قُوت عَامِه مِن حُبوبٍ وخُضرواتٍ بِالإضَافَةِ إلى الفَوَاكِه، تَضُمُّ المَزرَعَةُ أربَعَ بَقَرَاتٍ وقَطِيعٍ مِن الأغنَامِ تُوَفِّرُ لَه اللَّحمَ والحَلِيبَ مَع مَجمُوعَةٍ مِن الطُّيُورِ الدَّاجِنَة..

 لَا يَحتَاج حَاج إبرَاهيم الذّهَاب إلى السُّوقِ في المَدِينَةِ التي تَبعُد ثَلاثمَائة كِيلومتر سِوَى لِجَلبِ كِسَائِه والقَلِيل مِن الدَّواء إذا تَعَرَّضَ أحَدُهم لِوَعكَةٍ صِحِّيَّةٍ وعَجِزَت النَّبَاتَاتُ البَرِّيَّة مِن تَخفِيفِ أمرَاضِه..

كَانَ لحَاج إبرَاهيم خَمسَةٌ مِن الصِّبيَة لَم يَكُن مِن بَينِهِم فَتَاة، تَدَرَّجَ أبنَاؤه في مَرَاحِلِ التَّعلِيم بِتَفَوُّقٍ تَام وعَمِلَ أربَعَةٌ مِنهُم في مَجَالِ التَّعلِيم أمَّا الخَامِس فَقَد اختَارَ مَجَالَ الطِّبِّ البَيطَرِيّ، تَفَوَّقَ هَذا الأخِير في مَجَالِه فَابتَعَثَته جَامِعَتُه لإكمَالِ دِرَاسَتِه بِالخَارِج..

تَقَلَّبَ الشَّابُّ في أحضَانِ الغُربَةِ المُوحِشَة ولأَّنه حَسن المَنشَأ عَزَّ عَلِيه وُلُوج دُنيَا الحَرَام فَتَزَوَّج مِن إحدَى زَمِيلَاتِه ذَات الأُصُول الأفرِيقِيَّة وعَاشَا سَوِيَّاً. قَبلَ نِهَايَةِ دِرَاسَتِه رُزقَ صَبِيَّاً أطلَقَ عَلِيه أسمَ إبرَاهِيم تَيَمُّنَاً بِوَالِدِه، بَعدَ نِهَايَة مُدَّة دِرَاسَتِه عَزم عَلى الرُّجُوعِ لِبَلَدِه إلا أنَّ زَوجَتَه رَفَضَت الفِكرَة لِمَا سَمِعَته مِن مَشَقَّةِ العَيشِ وشَظَفِهِ وعَدَم تَحَضُّرِ البَلَد.. رَجع الدُّكتُور إلى أرضِ أهلِه وأجدَادِه تاَرِكَاً خَلفَه فَلَذَة كَبِدِهِ وهو في غَايَةِ الحُزنِ والألَم..

شَبَّ الصَّبِيُّ في بَلَدِ الأعَاجِم مِن غَيرِ أن يَعرِفَ شَيئَاً عَن أهلِهِ وَعَشِيرَتِه، لَمَّا بَلَغَ سِنَّ الدِّرَاسَة كَان جَدّه قَد تَعَلَّمَ الإنجِلِيزِيَّة وأتقَنَهَا وبَدَأ بِمُرَاسَلَتهِ بانتِظَامٍ شَارِحَاً لَه طَبِيعَة بَلَده وَنَمَطَ عَيشِهِم وَوَاصِفًا الطَّبِيعَة الخَلَّابَة البِكر التي يَندُر أن يُوجَدَ مِثلهَا، كَانَ يُرفِقُ مَع خِطَابَاتِه بَعضَ الصُّورِ لِأبقَارِه وأغنَامِه وحَقلِه الذي يَفلَحُه كُلَّ عَامٍ بِيَدِه ويَحصدُ مَحصُولَه..

 تَعَلَّقَ قَلبُ الصَّغيرِ بِجَدِّه كَثِيرَاً وتَمَنَّى أن يَرَاه وَيَجلِسَ مَعَه ويُرَافِقه في أنشِطَتِه المُثِيرَة، وَلَمَّا بَلَغ مِن العُمرِ عَشرَة سَنَوات دَعَاه جَدُّه لِزيَارَتِه وأرسَلَ لَه كَامِلَ مَصَارِيف الرِّحلَة، تَحتَ إصرَارِ الصَّبِيّ لَم تَجِد وَالِدَة إبرَاهِيم الصَّغِير مَنَاصاً مِن المُوَافَقَة عَلى سَفَرِه شَرِيطَةَ أن تُرَافِقه لِتَعُودَ بِه بَعدَ أن يَرَى وَالِدَه وَجَدَّه..

وَصلَ إبرَاهِيم الصَّغِير وأُمّه إلى القَريَةِ في عَصرِ أحَدِ الأيَّام الخَرِيفِيَّة البَهِيجَة، فُوجِئَا بِعَدَدٍ غَفِيرٍ مِن النَّاسِ في استِقبَالِهمَا والاحتِفَاء بِمَقدَمِهمَا الميمُون، ضُربَت الدُّفوفُ والطُّبوُلُ وأُقِيمَت الأفرَاح وَلَيالِي الذِّكر وذُبِحَت الذَّبَائِحُ لِمَقدَمِ إبرَاهيم الصَّغِير..

وَجَدَ الصَّبِيُّ نَفسَه يُعَامَل مُعامَلَة المُلُوك ويُحتَرَم أيّما احتِرَامٍ نِسبَةً لِمَكَانَةِ جَدِّهِ وأبِيه بِينَ النَّاسِ فَشَعَر بِسَعَادَةٍ غَامِرَة وتَمَنَّى أن يَعِيشَ إلى الأبَدِ بَينَ أهلِه.. وبعَد مُضِي ثَلَاثَة أيَّامٍ وبَعدَ أن أَلِفَ الصَّبِيُّ المَكَانَ أخذَه جَدُّه إلى رَبوَةٍ خَارِج القَريَة بَعِيدَاً عَن النَّاس وَلِدَهشَةِ الصَّبِيّ خَاطَبَه جَدُّه بِلُغَةٍ إنجلِيزِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وشَرَحَ لَه تَعَالِيمَ الدِّين الإسلَامِيّ وأوضَحَ لَه أنَّه سَيَأخُذه غَدَاً مَع الفَجرِ إلى المَسجِدِ لِيُعَلِّمه كَيفِيَّة الصَّلَاة، انبَهَرَ إبرَاهِيم الصَّغِير بِمَا سَمِع وَوَافَقَ عَلى الفَورِ عَلى الذِّهَابِ مَعَ جَدِّه إلى المسجِد..

تَرَقَّبَ الصَّغِيرُ بُزوغَ الفَجرِ بِفَارِغ الصَّبر وَلَمّا دَنَا الموعِد وأحضَرَ لَه جَدُّه جُلبَابَاً أبيَضَ جَمِيل وطَاقِيَّة مُزخرَفَة بِالحَرِيرِ المُلَوَّن وأمَرَه بِالاغتِسَالِ وارتِدَائِهَا، ذَهَب الصَّغِيُر مَع جَدّه إلى المسجِدِ وهُو في غَايَةِ الفَرَحِ وَلَمّا وَصل فُوجِئَ بِحَشدٍ كَبِيرٍ مِن الرِّجَالِ كُلُّهُم يَرتَدُونَ نَفس زَيِّه يَصطَفُّون فِي صُفُوفٍ مُنتَظِمَةٍ فَسَألَ جَدَّه: هَل هؤلاء جَاؤوا للاحتِفَالِ أيضَاً؟ فَرَدّ جَدُّه أنَّ هَذه هي صَلَاة المُسلِمين وهُم يَفعَلُون ذَلِك خَمسَة مَرَّاتٍ في اليَومِ لِدُعَاء رَبّهم لَأنَّهم عَبِيده وأنَّهم يَحتَاجُونَه ويَسألُونه التَّوفيق، وبَعد انتِهَاء الصَّلاة أعلَنَ حَاج إبرَاهيم أنَّ حَفِيدَه سَيَكُون مِن المُصَلِّين بَعدَ اليَوم وأنَّه سَيحضُر مَعَهم جَميع الصَّلوَات, ارتَجَّ المَسجِدُ بِالتَّهلِيلِ والتَّكبِيرِ وَسَارَع الجَمِيعُ إلى الصَّغيرِ يُعَانِقُونَه ويُرَحِّبُون بِه ويُعطُونَه الهَدَايا والهِبَات، تَأثَّر إبرَاهيم الصَّغير كَثِيرَاً بِمَوَدِّة الجَمِيع وحُبّهِم وتَقدِيرهِم لَه رُغمَ صِغَرِ سِنّهِ فَأحَبَّ المَسجِدَ وصَارَ مُلَازِمَاً لِجَدِّه لَا يُفَارِقه، وكان مِن عَادَةِ جَدّه حُضُور حَلَقات الذِّكر عِندَ مَسَاء كُلِّ أحَدٍ وخَمِيس وكَانَ يَندَمِجُ فِي الذِّكرِ بِرَوحَانِيَّاتٍ عَالِيَةٍ جِدَّاً ، كَان إبرَاهِيم مُلتَصِقَاً بِجَدِّه مُعظَمَ الوَقت وفي يَومٍ من الأيَّامِ رَأى القَومُ الصَّغِيَر فِي وَسطِ الحَلقَة يَلُفُّ حَولَ نَفسِه بِصُوَرةٍ سَرِيعَةٍ جِدَّاً لِدَرَجَةِ أنَّ النَّاظِرَ لَه يَحسَبه لَا تُلَامِس قَدَماه الأرضَ، انتَبَه حَاج إبراهيم لِحَفِيدِه وعَلَت وَجههُ ابتِسَامَة رِضَاءٍ وعَرف أنَّ حَفِيدَه سَوفَ لَن يُفَارِقه بَعدَ الآن وَلَن يَرجِع إلى بِلَادِ العجمِ مَرَّةً أُخرَى، وأصبَحَ يُفَكِّر بِجِدٍّ فِي كَيفِيَّةِ اقنَاعِ أمّ إبرَاهيم الصَّغير بِالمُكُوثِ مَعَهُم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى